*** النهضة الطحاوية بقلم ياسر غانم بركات– الحلقة الثانية
حددنا شخوص القصة ورسمنا ملامحهم في أول حلقة … والآن لنبدأ في رصد المشاهد المتفرقة التي أوقفها القدر على أعتابه في 2009 والتقت وتقاطعت في عام 2010 لتبدأ رحلة ملحمية في إحياء تراث عائلات الطحاوية الممتد عبر 200 عام …
المشهد الأول في التسعينات … تصفية أكبر المرابط لخيولها البدوية بعد اغلاق باب التسجيل وخسارة المعركة مع السلطات المتعنتة والمربين المتنفذين … انقسمت بيوت العائلة ثلاثة أقسام …
هناك من توقف … خاصة بعد رحيل جيل الأجداد والآباء الذين عاشوا ومارسوا البداوة والتراث وملأوا مضامير سباق الخيل عبر عقود … وظهور جيل آخر من الطبقة العاملة من أساتذة ومهندسين وأطباء وغيرهم من المهن الحضرية … أو آخرين اشتغلوا بزراعة أراضيهم وأصبحت الخيل بعد رفض التسجيل تستنزفهم اقتصاديا … فبدأ هذا الجيل في تصفية آخر ما بقي من فرسات بيعت للتجار بأثمان زهيدة كخيول غير مسجلة لا مجال لها في ميادين السباق …
وهناك من قلص الأعداد واحتفظ بفرسات معدودات كأثر وذكرى من الآباء … خاصة من كانت لديهم مساحات من الأراضي تسمح لهم بذلك … لكن لم يهتم بالتوسع في الانتاج ولا بالمشاركة في السباق.
وهناك من تخلي عن تراث الخيل البدوية وواكب تغيرات العصر وتحول لخيول السباق الانجليزية والمهجنة كباب متاح لاستمرار نشاطهم في سباقات الخيل بدلا من الخيول البدوية الأصيلة …
رجل واحد من أبناء العائلة شق طريقا مختلفا ومتفردا … احتفظ بالقليل من الفرسات البدويات ولم يتخل تماما عن ذلك التراث المجيد … وقام بأخذ المخاطرة والطريق الصعب بالبحث عن نتاج الفرسات الطحاويات المسجلات في مزرعة حمدان (مزرعة أحمد باشا حمزة) ليعيد تأسيس مربطه ومربط أبيه من نتاج تلك الفرسات … وليبدأ برنامجا طموحا لخيل السباق العربية بعيدا عن برامج الشو وعروض الجمال محافظا على نهج الآباء والأجداد …
لكن كانت الإشكالية في اختيار الطلائق. فكيف يجد لهم طلائق مسجلة بنفس قوة خطوط الطحاوية القديمة تنتاسب مع مواصفات السباق؟ … قام هذا المربي البارع بعمل لم يسبقه إليه أحد إطلاقا لا في الطحاوية ولا في مصر كلها … قام بدراسة سجلات (كالندرات) السباق المصرية عبر عقود ومقارنتها بسجلات أنساب محطة الزهراء … ليستخلص بعد دراسة شاقة ومضنية أفضل خطوط الزهراء التي لا تزال تحتفظ بصفات السرعة وبمقومات الركض والفوز في السباق!
نجحت استراتيجية هذا المربي البارع في تحقيق نجاح غير مسبوق. فكانت تعقد الأشواط فيفوز هو وحده بنصف الجوائز ويفوز باقي المربين مجتمعين بالنصف الآخر. هذا المربي اللامع الذي أصبح من أهم الأسماء في سباقات السرعة المصرية هو الحاج يحي عبدالستار عبدالحميد عليوة الطحاوي. وهو أيضا ابن شقيق الشيخ سليمان عبدالحميد عليوة الطحاوي صاحب المعركة الكبرى هو وزوجته الألمانية والباحث البلجيكي بيرند رادتكي مع الهيئة الزارعية والواهو في السبعينات والثمانينات لتسجيل خيل الطحاوية.
تشرب الحاج يحي منذ شبابه بهوية الخيل العربية وبأنسابها ولم يقبل بالتخلي عن مجالها الأهم وهو السباق … كما لم يقبل بالتحول للخيول المهجنة … وتلقى من عمه ووالده معرفة كبيرة بأنساب خيول الطحاوية في المرابط المختلفة … ثم زاد عليها معرفة ودراسة مستفيضة لأنساب الخيل المصرية عموما فصار بحق عرافة خيل الطحاوية وخبيرها الأول في مطلع القرن الحادي والعشرين.
مشهد آخر موازي …
شاب مولع بجانب آخر من التراث … ممن توقفت أسرته ووالده عن انتاج الخيل والمشاركة في السباق … لكنه مولع بالتراث البدوي عموما … يحفظ الأشعار والمجاريد البدوية ويشارك وينشد في احتفالات وأفراح العائلة المعروفة بالسامر وكف العرب … ويهتم بكل ما هو مقتنيات بدوية من بارودة جده الأكبر إلى دلال القهوة والمنسوجات والحلي البدوية … وكذلك كل ما يتعلق بأنساب العائلة وتاريخها شأن كثيرين من أبناء الطحاوية وأبناء القبائل العربية عموما المهتمين بالأنساب والأعراق ومعرفة الأصول … كان حلمه أن يجمع هذه الآداب والأشعار وتراث العائلة على موقع يتيحها لباقي شباب العائلة … وقام بالفعل بمجهود فردي وبمبادرة بعيدة النظر لم يسبقه إليها أحد بتأسيس موقع على الانترنت بجود ذانية متواضعة وضع عليه كل ما وصلت إليه يداه … لكن كان أمر الخيل وقتها لا يزال خارج هذا الجهد الريادي …
انطلق موقع الطحاوي سعود في 2009 محتويا الكثير من الأخبار والأنساب وبعض الوثائق العائلية المتنوعة …
اجتمع الصديقان القديمان رفقاء ركوب الخيل منذ الصبا … يحي والطحاوي … وتناقشا حول الموقع والوثائق … فعلم الأول من الثاني أن لديه بعض حجج قديمة لخيول طحاوية مشتراة من الشام منذ قرن أو يزيد … فاقترح عليه نشرها على الموقع … وأرشده إلى مزيد من الحجج في بيوت العائلة … فبادر الطحاوي إلى جمعها … ونشر على موقعه الوليد مجموعة من أثمن وأندر حجج الخيل العربية في العصر الحديث التي تحوي تواقيع وأختام أكبر شيوخ قبائل الشام والجزيرة من اسبعة والفدعان والحسنة وطي والنعيم وغيرهم من كبار شيوخ القبائل المنتجة للخيل العربية في العصر الحديث.
مشهد ثالث عبر الأطلسي …
الجدال يحتدم في منظمة الخمسة الأمريكية حول مقترح جوزيف فيريس بقبول فرسات أحمد حمزة الطحاويات في الخمسة … قدم جو فيريس مقترحه في 2009 وكان على المقترح أن يجتاز عامين من التصويت الإيجابي ليتم قبوله وفق معايير منظمة الخمسة …
جو فيريس باحث منظمة الأهرام العتيد يرى أن خيل الطحاوية (ممثلة في الفرسات الثلاث) مكون مهم من الخيل المصرية وتتمتع بنفس أصالتها ولا بد من قبولها …
بينما الشاب اللبناني والخبير الواعد إدوار الدحداح الذي نشأ وترعرع بين مرابط الخيل البدوية وتشبع بأعرافها وتقاليدها يرى أنه لا يوجد مدراج واضح لهذه الخيل ولا معلومات تدل على أصولها! …
وهنا أنا أروي عن المصدر الأصلي … حيث حدثني إدوار الدحداح بنفسه … وروي لي أيضا جو فيريس نفس الرواية … أنهما أمضيا ساعتين على الهاتف في أحد ليالي عام 2010 يتباحثان في الأمر … حيث كان جو يرى أن الطحاوية قبيلة بدوية لديها نفس الأعراف والتقاليد البدوية ولا بد من الاعتداد بخيولهم … بينما إدوار الذي يفهم جيدا تاريخ القبائل يرد عليه أن الطحاوية هم من قبيلة الهنادي التي كانت سكناها قبل مصر في برقة وشمال أفريقيا حتى 300 عام مضت وأنهم خرجوا من جزيرة العرب من 1000 عام في هجرة سليم وهلال الشهيرة … وبالتالي فلا نعلم صلتهم بمرابط الخيل العربية المعاصرة عند عنزة وشمر وغيرهم من عرب الجزيرة العربية والتي جلب منها عباس باشا والليدي آن بلانت خيولهم …
احتدم النقاش ولم يصل الصديقان لاتفاق وأنهيا المكالمة على وعد بإكمال البحث … هنا يقول إدوار: جال في نفسي خاطر أن أجري بحثا سريعا على شبكة الانترنت لعلي أجد شيئا عن تلك القبيلة وخيولها … وهنا كانت المفاجأة المذهلة … إذا ظهر له موقع الطحاوية الجديد بما عليه من حجج ووثائق الخيل … يقول إدوار: لم أنم ليلتها حتى الصباح وبمجرود طلوع الشمس اتصلت بجو فيريس وقلت له: احذر ماذا وجدت! لقد وقعت على كنز وأنت كنت على صواب بخصوص خيل الطحاوية!!
كانت هذه لحظة تاريخية ولدت شرارة التقاء الشرق بالغرب ودشنت مشروعا بحثيا عالميا كبيرا …
ونكمل مشاهد عام 2009 و 2010 في الحلقة القادمة بإذن الله.




